الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
249
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يعزّ وجود أمثاله من الفضة والذهب ، وإذ قد كان الخبر كله مستغربا كان حقيقا بأن ينظم في أسلوب الإجمال ثم التفصيل . وقرأ الجمهور سُقُفاً بضم السين وضم القاف جمع سقف بفتح السين وسكون القاف وهو : البناء الممتد على جدران البيت المغطّي فضاء البيت ، وتقدم عند قوله تعالى : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ في سورة النحل [ 26 ] . وهذا الجمع لا نظير له إلا رهن ورهن ولا ثالث لهما . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر سقفا بفتح السين وإسكان القاف على الإفراد . والمراد من المفرد الجنس بقرينة قوله لِبُيُوتِهِمْ كأنه قيل : لكل بيت سقف . والزخرف : الزينة قال تعالى : زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً في سورة الأنعام [ 112 ] ، فيكون هنا عطفا على سُقُفاً جمعا لعديد المحاسن ، ويطلق على الذهب لأن الذهب يتزين به ، كقوله : أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ [ الإسراء : 93 ] ، فيكون وَزُخْرُفاً عطفا على سُقُفاً بتأويل : لجعلنا لهم ذهبا ، أي لكانت سقفهم ومعارجهم وأبوابهم من فضة وذهب منوعة لأن ذلك أبهج في تلوينها . وابتدئ بالفضة لأنها أكثر في التحليات وأجمل في اللّون ، وأخّر الذهب لأنه أندر في الحلي ، ولأن لفظه أسعد بالوقف لكون آخره تنوينا ينقلب في الوقف ألفا فيناسب امتداد الصوت وهو أفصح في الوقف . ويجوز أن يكون لفظ زُخْرُفاً مستعملا في معنييه استعمال المشترك ، فلا يرد سؤال عن تخصيص السقف والمعارج بالفضة . و مَعارِجَ اسم جمع معراج ، وهو الدرج الذي يعرج به إلى العلالي . ومعنى يَظْهَرُونَ : يعلون كما في قوله تعالى : فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ [ الكهف : 97 ] ، أي أن يتسوروه . وسرر بضمتين : جمع سرير ، وتقدم عند قوله تعالى : عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ * في سورة الصافات [ 44 ] ، وفائدة وصفها بجملة عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ الإشارة إلى أنهم يعطون هذه البهرجة مع استعمالها في دعة العيش والخلو عن التعب . والمراد أن المعارج والأبواب والسّرر من فضة ، فحذف الوصف من المعطوفات لدلالة ما وصف المعطوف عليه . وذيّل بقوله : وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي كل ما ذكر من السّقف والمعارج والأبواب والسرر من الفضة والذهب متاع الدنيا لا يعود على من أعطيه بالسعادة